أحمد بن محمد ابن عربشاه

413

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فسد الرأس تغيرت الناس ، فحل الباس ، ولقد قال خالق البرية وباريها وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها [ الإسراء : 16 ] فقام الحاضرون في مقام العبودية والولاء ، وبسطوا ألسنتهم بأنواع الثناء والدعاء ، ونادوا بكلمة واحدة متفقة متأكدة ، حاشا الله ما علمنا عليك من سو ، ولم تزل تطيّب علل تقصيرنا وتأسو « 1 » ، وتستر بذيل عفوك كل عار منا وتكسو . وكان هذا الكلام للأكابر وقد اجتمع البادى والحاضر ، وأبو حميد المفتن فيما بينهم حاضر ، فأدرك بهذا العمل أن الأسد شعر بشئ من جهة الجمل ، فاستدرك فارطه وسلك سبيل المغالطة ، ثم اختلى بالأسد ولم يكن معهما أحد ، وقال : كأن مولانا الملك وقاه الله شر المنهمك ، أحس بشئ أوجب تقرير كلامه لطائفة جنده وخدامه ، وأنا عندي كلام لم يطلع عليه أحد من الأنام ، ولم أبده للملك بحضرة الجماعة ؛ لأنه ربما لا يقصد الملك به الإذاعة ، ولا يمكنني إخفاؤه وقد كان إبداؤه . فاعلم أيها الملك الهمام كفاك الله شر اللئام ، أنه كما يستحقر العالم الجاهل ، كذلك يزدرى الجاهل العاقل ، وذلك لقصور فهمه وعدم علمه ، ومهما أحاط الخادم بمرتبة مخدومه ، وزاد علو قدره في معلومه ، ازداد في قلبه وجوارحه مقدار تعظيمه ، واستقرت هيبته في قلبه وروحه ، وصارت كئوس خشيته تنادمه في غبوقه وصبوحه « 2 » ، وقد قال رب الأرض والسماء إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] . وقول النبي عليه الصلاة والسلام : « أنا أعرفكم بالله وأخشاكم لله » « 3 » . إشارة إلى هذا المقام ، وكلما ضعفت معرفة الخادم بالمخدوم ، قلت قيمته عنده وهذا أمر معلوم .

--> ( 1 ) تعالج . ( 2 ) ما يشرب في الصباح والمساء . ( 3 ) قال العجلوني في كشف الخفا ( 1 / 200 ) قال في المقاصد : قال شيخنا : صحيح ، وقد ترجم البخاري في صحيحه بقوله صلى الله عليه وسلم : « أنا أعلمكم بالله » وأورد في الباب عن عائشة قالت : « . . . إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا » .